فصل: سنة اثنتين ومائتين وألف:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» (نسخة منقحة)



.من مات في هذه السنة من الأعيان:

توفي الإمام العالم العلامة أوحد وقته في الفنون العقلية والنقلية شيخ أهل الإسلام وبركة الأنام الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي الالكي الأزهري الخلوتي الشهير بالدردير، ولد ببني عدي كما أخبر عن نفسه سنة 1127 وحفظ القرآن وجوده وحبب إليه طلب العلم، فورد الجامع الأزهر وحضر دروس العلماء وسمع الأولية عن الشيخ محمد الدقري بشرطه، والحديث على كل من الشيخ أحمد الصباغ وشمس الدين الحفني، وبه تخرج في طريق القوم وتفقه على الشيخ علي الصعيدي ولازمه في جل درسه حتى أنجب وتلقن الذكر وطريق الخلوتية من الشيخ الحفني، وصار من أكبر خلفائه كما تقدم، وأفتى في حياة شيوخه مع كمال الصيانة والزهد والعفة والديانة، وحضر بعض دروس الشيخين الملوي والجوهري وغيرهما، ولكن جل اعتماده وانتسابه على الشيخين الحفني والصعيدي وكان سليم الباطن مهذب النفس كريم الأخلاق، وذكر لنا عن لقبه أن قبيلة من العرب نزلت ببلده كبيرهم يدعى بهذا اللقب، فولد جده عند ذلك فلقب بلقبه تفاؤلاً لشهرته، وله مؤلفات منها شرح مختصر خليل أورد فيه خلاصة ما ذكره الأجهوري والزرقاني واقتصر فيه على الراجح من الأقوال ومتن في فقه المذهب سماه أقرب المسالك لمذهب مالك، ورسالة في متشابهات القرآن ونظم الخريدة السنية في التوحيد وشرحها، وتحفة الأخوان في آداب أهل العرفان في التصوف، وله شرح على ورد الشيخ كريم الدين الخلوتي، وشرح مقدمة نظم التوحيد للسيد محمد كمال الدين البكري، ورسالة في المعاني والبيان، ورسالة أفرد فيها طريقة حفص ورسالة في المولد الشريف، ورسالة في شرح قول الوفائية: يا مولاي يا واحد يا مولاي يا دائم يا علي يا حكيم. وشرح على مسائل كل صلاة بطلت على الإمام والأصل للشيخ البيلي، وشرح على رسالة في التوحيد من كلام دمرداش، ورسالة في الاستعارات الثلاث، وشرح على آداب البحث، ورسالة في شرح صلاة السيد أحمد البدوي، وشرح على الشمائل لم يكمل ورسالة في صلوات شريفة اسمها المورد البارق في الصلاة على أفضل الخلائق، والتوجه الأسنى بنظم الأسماء الحسنى. ومجموع ذكر فيه أسانيد الشيوخ، ورسالة جعلها شرحاً على رسالة قاضي مصر عبد الله أفندي، المعروف بططر زاده في قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} الآية، وله غير ذلك. ولما توفي الشيخ علي الصعيدي تعين المترجم شيخاً على المالكية ومفتياً وناظراً على وقف الصعايدة وشيخاً على طائفة الرواق بل شيخاً على أهل مصر بأسرها في وقته حساً ومعنى. فإنه كان رحمه الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصدع بالحق ولا يأخذه في الله لومة لائم، وله في السعي على الخير يد بضياء تعلل أياماً ولزم الفراش مدة حتى توفي في سادس شهر ربيع الأول من هذه السنة، وصلي عليه بالأزهر بمشهد عظيم حافل ودفن بزاويته التي أنشأها بخط الكعكيين بجوار ضريح سيدي يحيى بن عقب، وعندما أسسها أرسل إلي وطلب مني أن أحرر له حائط المحراب على القبلة، فكان كذلك، وسبب إنشائه للزاوية أن مولاي محمد سلطان المغرب كان له صلات يرسلها لعلماء الأزهر وخدمة الأضرحة وأهل الحرمين في بعض السنين، وتكرر منه ذلك فأرسل على عادته في سنة ثمان وتسعين مبلغاً وللشيخ المترجم قدراً معيناً له صورة، وكان لمولاي محمد ولد تخلف بعد الحج وأقام بمصر، مدة حتى نفد ما عنده من النفقة، فلما وصلت تلك الصلة أراد أخذها ممن هي في يده فامتنع عليه وشاع خبر ذلك في الناس وأرباب الصلات وذهبوا الى الشيخ بحصته، فسأل عن قضية بن السلطان فأخبروه عنها وعن قصده وأنه لم يتمكن من ذلك، فقال: والله هذا لا يجوز وكيف أننا نتفكه في مال الرجل ونحن أجانب وولده يتلظى من العدم، هو أولى مني وأحق أعطوه قسمي. فأعطاه ذلك، ولما رجع رسول أبيه أخبر السلطان والده بما فعل الشيخ الدردير فشكره على فعله وأثنى عليه، واعتقد صلاحه، وأرسل له ف يثاني عام عشرة أمثال الصلة المتقدمة مجازاة للحسنة فقبلها الأستاذ وحج منها، ولما رجع من الحج بنى هذه الزاوية مما بقي ودفن بها رحمه الله ولم يخلف بعده مثله.
ومات الشيخ الإمام العلامة المتفنن المتقن المعمر الضرير الشيخ محمد المصيلحي الشافعي أحد العلماء، أدرك الطبقة الأولى وأخذ عن شيوخ الوقت وأدرك الشيخ محمد شنن المالكي وأخذ عنه، وأجازه الشيخ مصطفى العزيزي والشيخ عبد ربه الديوي والشيخ أحمد الملوي والحفني والدفري والشيخ علي قايتباي والشيخ حسن المدابغي، وناضل ودرس وأفاد وأقر وانتفع عليه الطلبة، ولما مات الشيخ أحمد الدمنهوري وانقرض أشياخ الطبقة الأولى نوه بذكره واشتهر صيته وحف به تلامذته وغيرهم ونصبوه شبكة لصيدهم وآلة لاقتناصهم وأخذوه الى بيوت الأمراء في حاجاتهم، وعرضوا به المتصدرين من الأشياخ في الرياسة، ويرى أحقيته لها لسنة وأقدميته، ولما مات الشيخ أحمد الدمنهوري وتقدم الشيخ أحمد العروسي في مشيخة الأزهر كان المترجم غائباً في الحج، فلما رجع وكان الأمر قد تم للعروسي أخذه حمية المعاصرة وأكثرها من إغراء من حوله فيحركونه للمناقضة والمناكدة حتى أنه تعدى على تدريس الصلاحية بجوار مقام الإمام الشافعي المشروطة لشيخ الأزهر بعد صلاة الجمعة، فلم ينازعه الشيخ أحمد العروسي وتركها له حسماً للشر وخوفاً من ثوران الفتن، والتزم له الإغضاء والمسامحة في غالب الأطوار، ولم يظهر الالتفات لما يعانوه أصلاً حتى غلب عليهم بحلمه وحسن مسايرته، حتى أنه لما توفي المترجم ورجع إليه تدريس الصلاحية لم يباشر التصدر في الوظيفة بل قرر فيها تلميذه العلامة الشيخ مصطفى الصاوي، وأجلسه، وحضر افتتاحه فيها وذلك من حسن الرأي وجودة السياسة، توفي المترجم ثاني عشر شوال من هذه السنة وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بالمجاورين.
ومات الإمام العلامة واللوذعي الفهامة لسان المتكلمين وأستاذ المحققين الفقيه النبيه المستحضر الأصولي المنطقي الفرضي الحيسوب الشيخ عبد الباسط السنديوني الشافعي تفقه على أشياخ العصر المتقدمين وأجازه أكابر المحدثين، ولازم الشيخ محمد الدفري وبه تخرج في الفقه وغيره وأنجب ودرس وأفاد وأفنى في حياة شيوخه، وكان حسن الإلقاء جيد الحافظة يملي دروسه عن ظهر قلبه وحافظته عجيب الاستحضار للفروع الفقهية والعقلية والنقلية، ومما شاهدته من استحضاره أنه وردت فتوى في مسألة مشكلة في المناسخة فتصدى لتحريرها وقسمتها جماعة من الأفاضل ومنهم الشيخ محمد الشافعي الجناجي وناهيك به في هذا الفن وتعبوا فيها يوماً وليلة، حتى حرروها على الوجه المرضي، ثم قالوا دعنا نكتبها في سؤال على بياض ونرسلها للمتصدرين للإفتاء وننظر ماذا يقولون في الجواب وهو لا يعلم بشيء مما عانوه، فغاب الرسول مدة لطيفة وحضر بالجواب على الوجه الذي تعب فيه الجماعة يوماً وليلة فقضوا عجباً من جودة استحضاره وحدة ذهنه وقوة فهمه، إلا أنه كان قليل الورع عن بعض سفاسف الأمور، اتفق أنه تنازع مع عجوز في فدان ونصف طين مدة سنين وأهين بسببها مراراً في أيام مشيخة الشيخ عبد الله الشبراوي والشيخ الحفني، ورأيته مرة يتداعى معها عند شيخنا الشيخ أحمد العروسي، فنهاه الشيخ العروسي عنها ولامه فلم ينته ولم يزل ينازعها وتنازعه الى أن مات، وغير ذلك أمور يستحي من ذكرها في حق مثله، وبذلك قلّت وجاهته بين نظرائه، توفي في أول جمادى الآخرة من السنة، وصلي عليه بالأزهر ودفن بتربة المجاورين رحمه الله وغفر لنا وله.
ومات الشيخ الفاضل الصالح المجذوب صاحب الأحوال محمد ابن أبي بكر بن محمد المغربي الطرابلسي الشهير بالأثرم ولد بقرية أنكوان من أعمال طرابلس في حدود سنة خمس وأربعين، وبها نشأ وتنتسب جدوده الى خدمة الولي الصالح الشهير سيدي أحمد زروق قدس سره وغلب عليه الجذب في مبادئ أمره، وحفظ جملة من كلام الشيخ المشار إليه ومن كلام غيره، وكان مبدأ أمره فيما أخبرنا أنه توجه الى تونس برسم التجارة فاجتمع على رجل من الصالحين هناك ولازمه، فلما قربت وفاته أوصى إليه بملبوس بدنه، فلما توفي جمع الحاضرين وأراد بيعه فأشار إليه بعض أهل الشأن أن يضن به ولا يبيعه، فتنافس فيه الشارون وتزايدوا، فدفع الدراهم من عنده في ثمنه وأبقاه، وكان المتوفى فيما قيل قطب وقته. فلبسه الوجد في الحال وظهرت له أمور هناك، واشتهر أمره وأتى الى الإسكندرية فسكنها مدة، ثم ورد مصر في أثناء سنة 1185 وحصلت له شهرة تامة، ثم عاد الى الإسكندرية فقطنها مدة، ثم عاد الى مصر وهو مع ذلك ينجر في الغنم، وأثرى بسبب ذلك وتمول وكانت الأغنام تجلب من وادي برقة فيشارك عليها مشايخ عرب أولاد علي وغيرهم، وربما ذبح بنفسه بالثغر، فيفرق اللحم على الناس ويأخذ منهم ثمن ذلك، وكان مشهوراً بإطعام الطعام والتوسع فيه في كل وقت وربما وردت عليه جماعة مستكثرة فيقريهم في الحال وتنقل له في ذلك أمور.
ولما ورد مصر كان على هذا الشأن، لابد للداخل عليه من تقديم مأكول بين يديه، وهادته أكابر الأمراء والتجار بهدايا فاخرة سنية، وكان يلبس أحسن الملابس وربما لبس الحرير المقصب يقطع منها ثياباً واسعة الأكمام فيلبسها ويظهر في كل طور في ملبس آخر غير الذي لبسه أولاً، وربما أحضر بين يديه آلات الشرب، وانكبت عليه نساء البلد، فتوجه إليه بمجموع ذلك نوع ملام، إلا أن أهل الفضل كانوا يحترمونه ويقرون بفضله وينقلون عنه أخباراً حسنة. وكان فيه فصاحة زائدة وحفظ لكلام القوم وذوق للفهم ومناسبات للمجلس، وله أشراف على الخواطر فيتكلم عليها فيصادف الواقع، ثم عاد الى الإسكندرية ومكث هناك الى أن ورد حسن باشا، فقدم معه وصحبته طائفة من عسكر المغاربة، ولما دخل مصر أقبلت عليه الأعيان وعلت كلمته وزادت وجاهته وأتته الهدايا وكانت شفاعته لا ترد عند الوزراء، ولما كان آخر جمادى الأولى من هذه السنة توجه الى كرداسة لإيقاع صلح بين العرب وبين جماعة من القافلة المتوجهة الى طرابلس، فمكث عندهم في العزائم والإكرامات مدة من الأيام، ثم رجع وكان وقتاً شديد الحر، فخلع ثيابه فأخذه البرد والرعدة في الحال، ومرض نحو ثمانية أيام. حتى توفي نهار الثلاثاء ثالث جمادى الثانية، وجهز وكفن وصلي عليه بمشهد حافل بالأزهر. ودفن تحت جدار قبة الإمام الشافعي في مدافن الرزازين، وحزنت عليه الناس كثيراً، وقد رآه أصحابه بعد موته في منامات عدة عدل على حسن حاله في البرزخ، رحمه الله.
ومات الإمام العلامة والفاضل الفهامة صفوة النبلاء ونتيجة الفضلاء الشيخ أحمد بن أحمد بن محمد السحيمي الحنفي القلعاوي تفقه على والده وعلى الشيخ أحمد الحماقي، وحضر معنا على شيخنا الشيخ مصطفى الطائي الهداية وأنجب ودرس في فقه المذهب والمعقول مع الحشمة والديانة ومكارم الأخلاق والصيانة، توفي سادس عشر شوال ودفن عند والده بباب الوزير.
ومات الأجل العمدة الشريف الصالح السيد عبد الخالق بن أحمد بن عبد اللطيف بن محمد تاج العارفين المنتهي نسبه الى سيدي عبد القادر الحسني الجيلي المصري، ويعرف بابن بنت الجيزي، وهو أخو السيد محمد الجيزي المتوفى قبل ذلك من بيت الثروة والعز والسيادة، تولى بعد أخيه الكتابة ببيت النقابة ومشيخة القادرية، وأحسن السير والسلوك مع الوقار والحشمة. وكان إنساناً حسناً كثير الحياء متجمعاً عن الناس مقبلاً عن شأنه، وفيه رقة طبع مع الأخلاق المهذبة والتواضع للناس والانكسار رحمه الله.
ومات الأمير الصالح المبجل أحمد جاويش أرنؤد باش اختيار وجاق التفكجية، وكان من أهل الخير والدين والصلاح، عظيم اللحية منور الشيبة مبجلاً عند أعاظم الدولة، يندفع في نصرة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويسمعون لقوله وينصتون لكلامه ويتقونه ويحترمونه لجلالته ونزهته عن الأغراض، وكان يحب أهل الفضائل ويحضر دروس العلماء ويزورهم ويقتبس من أنوار علومهم، ويذهب كثيراً الى سوق الكتبيين ويشتري الكتب ويوقفها على طلبة العلم، واقتنى كتباً نفيسة ووقفها جميعها في حال حياته ووضعها بخزانة الكتب بجامع شيخون العمري بالصليبة تحت يد الشيخ موسى الشيخوني الحنفي، وسمع على شيخنا السيد مرتضى صحيح البخاري ومسلم وأشياء كثيرة والشمائل والثلاثيات وغير ذلك، وبالجملة فكان من خيار من أدركنا من جنسه، ولم يخلف بعده مثله، توفي في ثامن شوال من السنة وقد ناهز التسعين.
ومات الأمير المبجل أحمد كتخدا المعروف بالمجنون أحد الأمراء المعروفين والقراصنة المشهورين وهو من مماليك سليمان جاويش القازدعلي، ثم انضوى الي عبد الرحمن كتخدا وانتسب إليه وعرف به، وأدرك الحوادث والفتن التليدة والطارفة، ونفي من نفي في إمارة علي بك الغزاوي في سنة ثلاث وسبعين الى بحري ثم الى الحجاز، وأقام بالمدينة المنورة نحو اثنتي عشرة سنة وقاداً بالحرم المدني، ثم رجع الى الشام وأحضره محمد بك أبو الذهب الى مصر وأكرمه ورد إليه بلاده وأحبه واختص به، وكان يسامره ويأنس بحديثه ونكاته، فإنه كان يخلط الهزل بالجد يأتي بالمضحكات في خلال المقبضات، فلذلك سمي بالمجنون، وكان بلدترسا بالجيزة جارية في التزامه وعمر بها قصراً وأنشأ بجانبه بستاناً عظيماً زرع فيه أصناف الأشجار والنخيل والرياحين ويجلب من ثماره الى مصر للبيع والهدايا، ويرغب فيها الناس لجودتها وحسنها عن غيرها، وكذلك أنشأ بستاناً بجزيرة المقياس في غاية الحسن، وبنى بجانبه قصراً يذهب إليه في بعض الأحيان، ولما حضر حسن باشا الى مصر ورأى هذا البستان أعجبه فأخذه لنفسه وأضافه الى أوقافه، وبنى المترجم أيضاً داره التي بالقرب من الموسكي داخل درب سعادة، وداراً على الخليج المرخم أسكن فيه بعض سراريه، وكان له عزوة ومماليك ومقدمون وأتباع، وابراهيم بك أوده باشه من مماليكه ورضوان كتخدا الذي تولى بعده كتخدا الباب، وكان مقدمه في المدد السابقة يقال له المقدم فوده له شأن وصولة بمصر وشهرة في القضايا والدعاوى، ولم يزل طول المدد السابقة جاويشاً، فلما كان آخر مدة حسن باشا قلدوه كتخدا مستحفظان، ولم يزل معروفاً مشهوراً في أعيان مصر الى أن توفي في خامس شعبان من السنة.
ومات الأمير الجليل محمد بك الماوردي، وهو مملوك سليمان آغا كتخدا الجاويشية، زوج أم عبد الرحمن كتخدا وخشداشينه حسن بك الأزبكاوي الذي قتل بالمساطب كما تقدم، وحسن بك المعروف بأبي كرش فكان الثلاثة أمراء يجلسون بديوان الباشا وسيدهم كتخدا الجاويشية واقف في خدمته على أقدامه، ومرت له محن في تنقلاته ورحلاته الى البلاد عندما تملك علي بك وخرج المترجم منفياً وهارباً من مصر مع من خرج، وباشر الحروب بأسيوط وذهب الى الشام وغيرها، لكن لم أتحقق وقائعه، ولم يزل حتى حضر الى مصر في أيام أبي الذهب وقد صار ذا شيبة، وتزوج بنت الشيخ العناني وأقام بينهم بسوق الخشب خاملاً حتى مات في هذه السنة، وكان لا بأس به وتقلد في المدد السابقة أغاوية مستحفظان ثم الصنجقية ونظارة الجامع الأزهر.

.سنة اثنتين ومائتين وألف:

استهل المحرم بيوم السبت، فيه عزل المحتسب وتولى آخر يسمى يوسف آغا الخربتاوي. وتولى عثمان بك طبل الاسماعيلي على دجرجا.
وفيها انفرد إسمعيل بك الكبير في إمارة مصر وصار بيده العقد والحل والإبرام والنقض. واستوزر محمد آغا البارودي وجعله كتخداه، واستمر إسمعيل كتخدا حسن باشا بمصر لقبض بواقي المطلوبات وسكن ببيت حسن كتخدا الجربان بباب اللوق.
وفيه قبض إسمعيل بك على الحاج سليمان بن ساسي وحبسه ببيت محمد آغا البارودي وصادره في خمسين كيساً.
وفي خامسه، طلب إسمعيل بك دراهم قرضة مبلغاً كبيراً فوزعوا منها جانباً على تجار البن والبهار وجانباً على الذين يقرضون البن بالمرابحة للمضطرين وجانباً على نصارى القبط وعلى الأروام والشوام وعلى طوائف المغاربة بطولون والغورية وعلى المتسببين في الغلال بالسواحل والرقع، وكذلك بياعو القطن والبطانة والقماش والمنجدون واليهود وغير ذلك. فانزعج الناس وأغلقوا وكائل البن والغورية ودكاكين الميدان.
وفي يوم السبت خامس عشره اجتمع جملة من الطوائف المذكورة وحضروا الى الجامع الأزهر وضجوا واستغاثوا من هذا النازل، وحضر الشيخ العروسي فقاموا في وجهه وأرادوا قفل أبواب الجامع فمنعهم من ذلك فصاحوا عليه وسبوه وسحبوه بينهم الى جهة رواق الشوام. فمنع عنه المجاورون، وأدخلوه الى الرواق ودافعوا عنه الناس وقفلوا عليه باب الرواق. وصحبته طائفة من المتعممين، وكتبوا عرضاً الى إسمعيل بك بسبب ذلك وأرسلوه صحبة الشيخ سليمان الفيومي وانتظروه حتى رجع إليهم ومعه تذكرة من إسمعيل بك مضمونها الأمان والعفو عن الطوائف المذكورة.
وفيها، أن هذا المطلوب إنما هو على سبيل القرض والسلفة من القادر على ذلك، فلما قرئت عليهم التذكرة قالوا: هذه مخادعة وعندما ينفض الجمع وتفتح الدكاكين يأخذونا واحداً بعد واحد، ثم قام الشيخ وركب وحوله الجم الغفير والغوغاء وبعض المجاورين يدفع الناس عنهم بالعصي والعامة يصيحون عليه ويسمعونه الكلام غير اللائق الى أن وصل الى باب زويلة. فنزل بجامع المؤيد وأرسل الى إسمعيل بك يخبره بهذا الحال، فحنق إسمعيل بك وظن أنها مفتعلة من الشيخ وأنه هو الذي أغراهم على هذه الأفعال، فأجابه الرسل وحلفوا له ببراءته من ذلك، وليس قصده إلا الخلاص منهم، فقال: إنا أرسلت إليهم بالأمان ودعوهم ينفضوا وما أحد يطالبهم بشيء، فانفضوا وتفرقوا ومضى على ذلك يوماً فأرسلوا الى أهل الصاغة والجواهرجية والنحاسين وطالبوهم بالمقرر والموزع عليهم، فلم يجدوا بداً من الدفع، ثم طالبوا وكالة الجلاية وتطرق الحال الى باقي الناس حتى بياعي الفسيخ ومجموع ذلك نحو اثنين وسبعين حرفة.
وفي منتصفه حضر علي كاشف من جهة قبلي وقد كان سافر بعد سفر حسن باشا برسالة الى الأمراء القبالي، وأخبر أنهم مستقرون في أماكنهم ولم يتحركوا.
وفي يوم الخميس سادس عشرينه سافر أمير القلزم بملاقاة الحاج وكان من عادته السفر في أول الشهر، ولم يحضر في هذه السنة نجاب الجبل، وأخذوا من بلاد أمير الحج بلدين وأخذوا أيضاً بيته الذي كان سكن به فلما استقر يحيى بك بمصر أخذه وسكنه لكونه زوج بنت صالح بك وهو بيت أبيها وهو أحق به.
ثم استهل شهر صفر الخير، وفيه كملت القيسارية التي عمرها إسمعيل بك بجانب السبيل الذي بسويقة لاجين، فأنشأ بها إحدى وعشرين حانوتاً وقهوة، وجعلها مربعة الأركان، وهذا السبيل من إنشاء سيده ابراهيم كتخدا، ولما أتمها نقل إليها سوق درب الجماميز بعد العصر وانتقل إليه الدلالون والناس والقماشون في عصرية يوم الثلاثاء ثانية، ويطل سوق درب الجماميز من ذلك اليوم، وليس لإسمعيل بك من المحاسن إلا نقل هذا السوق من تلك الجهة ووضعه في هذه الجهة كما لا يخفى.
وفي اشتد العسف في الرعية بسبب طلب السلفة، وتعدى الحال الى بياع المخلل والصوفان وتضرر الفقراء من ذلك.
وفي سابعه سافر محمد باشا والي جدة الى السويس.
وفي يوم السبت ثالث عشره، طلع إسمعيل بك والأمراء الى الديوان بالقلعة وأخرج قوائم مزاد البلاد التي تأخر على ملتزميها الميري، فتصدر لشرائها كتخداه محمد آغا البارودي، فاشترى نحو سبعين بلداً، وفي الحقيقة هي راجعة الى مخدومه يفرقها على من يشاء من أغراضه. فشرع أولاً في طلب الشتوي وزاد على من أخذ البلاد سنة ونصفاً، ثم ادعى أن حسن باشا أخذ سنة من الحلوان ودخلت في حسابه، وطلب سنة ونصف أخرى وطلب المال الصيفي أيضاً، فعجزت الملتزمون، ففعل هذه الفعلة وأخرج قوائم مزادهم الى الديوان واستخلصها من ملتزميها.
وفي تلك الليلة، حضرت جماعة من كشاف النواحي القبلية وأخبروا أن الأمراء القبالي حضروا الى أسيوط وأوائلهم تعدى منفلوط، فهرب من كان هناك من الكشاف وغيرهم وحضروا الى مصر، فلما تحققت هذه الأخبار طلع في صبحها إسمعيل بك الى الديوان واجتمع الأمراء والوجاقلية أو المشايخ، فتكلم إسمعيل بك وقال: يا أسيادنا يا مشايخ يا أمراء يا وجاقلية، إن الجماعة القبليين نقضوا عهد السلطان وانتقلوا من أماكنهم وزحفوا على البلاد. فهل الواجب قتالهم ودفعهم؟ فقالوا: نعم، فقال إن المخالفين إذا نقضوا عهد السلطان ولزم الحال الى قتالهم يصرف المقاتلين من العسكر من خزينة السلطان وليس هنا خزينة فكل منكم يقاتل عن نفسه، فأجابه إسمعيل أفندي الخلوتي وقال: ونحن أي شيء تبقى عندنا حتى نصرفه وقد صرنا كلنا شحاتين لا نملك شيئاً، فقال له الباشا: هذا الكلام لا يناسب ولا ينبغي أنك تكسر قلوب العسكر بمثل هذا الكلام، والأولى أن تقول لهم أنا وأنتم شيء واحد إن جعت جوعوا معي وإن شبعت اشبعوا معي، ثم انحط الرأي بينهم على أن يكتبوا عرضاً للدولة والإخبار عن نقضهم وعرضاً لهم بالتحذير، ثم كتبوا فرمانات لجميع الغز والأجناد الغائبين بالأرياف بالحضور، وبكى إسمعيل بك بالمجلس ونهنه في بكائه، ثم كتبوا مكاتبة من الباشا ومن الوجاقلية والمشايخ وأرسلوها صحبة واحد من طرف الباشا وسراج من طرف إسمعيل بك. وأرسلوا الى محمد باشا المسافر الى جدة بالرجوع من السويس الى مصر بأمر من الدولة.
وفي ذلك اليوم أعني يوم الأحد رابع عشره حضر جاويش الحاج من العقبة.
وفي يوم الأربع سابع عشره، نبهوا على مماليك الأمراء القبليين وكشافهم الكائنين بمصر بالاجتماع والحضور، فأرسل كل من كان مستخدماً عنده جماعة من الأمراء والصناجق وغيرهم، فجمعهم في مكان في بيته، ومن كان غائباً في حاجة أرسلوا إليه وأحضروه، فلما تكاملوا أخذوا خيولهم وأسلحتهم وأبقوهم في الترسيم، وأما علي بك الدفتردار فإنه لم يسلم فيمن عنده، وكان منقطعاً في الحريم لصداع برأسه ووجع في عينيه من مدة شهرين.
وفي يوم الجمعة كان نزول الحجاج ودخولهم الى مصر، وكانوا أغلقوا أبواب مصر وأجلسوا عليها حرسجية فلم يدخل الحجاج إلا من باب النصر فقط، فتضرر الناس من الازدحام في ذلك الباب، وارتاح الحجاج في هذا العام ولم يحصل لهم تعب، وزاروا المدينة الشريفة.
وفيه نزل الآغا وصحبته كتخدا الباشا وأمامهما المناداة على كل من كان مختفياً من أتباع الأمراء القبليين ومماليكهم بالظهور ويطلعوا يقابلوا الباشا، وكل من ظهر عنده أحد بعد ثلاثة أيام، فإنه يستأهل الذي يجري عليه.
وفي صبحها يوم السبت، دخل أمير الحاج غيطاس بك وصحبته المحمل.
وفيه شرع إسمعيل بك في طلب تفريدة من البلاد والقرى، فجعلوا على كل بلد مائة دينار وعشرة، خلاف ما يتبع ذلك من الكلف وحق الطرق وغير ذلك، وعين لقبضها خازنداره وغيره.
وفي تاسع عشره، قبضوا على جماعة من المماليك والأجناد وهم الذين كانوا في الترسيم. وأنزلوهم في مراكب وأرسلوهم الى ثغر الإسكندرية وحبسوهم بالبرج، ومنهم جماعة بأبي قير، وكان علي بك توقف في تسليم المنتسبين إليه فلم يزل به إسمعيل بك حتى سلم فيهم.
وفي عشرينه، قبضوا على بواقيهم وأنزلوهم المراكب أيضاً، وبعضهم أنزلوه عرياناً ليس عليه سوى القميص والصديري واللباس وطاقية أو طربوش معمم عليه بمحرمة أو منديل ونحو ذلك، ولم تزل الحرسجية مقيمين على الأبواب، وحصل منهم الضرر للناس والرعية والمتسببين والفلاحين الواردين من القرى بالجبن والسمن والتبن ونحو ذلك، وكل من أراد العبور من باب منعوه من الدخول حتى يأخذوا منهم دراهم ولو كان بنفسه.
وفي يوم الأحد ثامن عشرينه، نزل الآغا وأمامه الوالي وأوده باشة البوابة وأمامهم المناداة على جميع الألضاشات المنتسبين الى الوجاقات بأنهم يأخذوا لهم أوراقاً من أبوابهم، وكل من وجد وليس معه ورقة بعد ثلاثة أيام يحصل له مزيد الضرر، وبيد المنادي فرمان من الباشا.
وفيه ركب إسمعيل بك ونزل الى بولاق ليتفرج على شركفلك الذي صنعه وتم شغله وقد زاد في صنعته عما فعله حسن باشا بإن ركبه على عجل يجروه، وزاد في إتقانه، وسبك جللاً كثيرة للمدافع فلما رآه أعجبه وشرع أيضاً في عمل شركفلكين اثنين وجهز ذخيرة عظيمة من بقسيماط وغيره.
وفي يوم الإثنين حضر الرسول الذي كان توجه بالرسالة للأمراء القلبيين وهو الذي من طرف الباشا وصحبته آخر من طرف إسمعيل بك، وعلى يدهما جوابان: أحدهما خطاب للباشا والثاني خطاب للمشايخ، فاجتمعوا بالديوان في صبحها يوم الثلاثاء وقرأوا الجوابات. وملخصها: إنكم نسبتونا لنقض العهد والحال أن النقض حصل منكم بتسفير إخواننا الرهائن وذهابهم مع قبطان باشا الى الروم، وما فعلتم في بيوتنا وحريمنا، ولما حصل ذلك احتد البعض منا وزحفوا الى بحري فركبنا خلفهم نردهم فلم يمتثلوا فأقمنا معهم، فلما قرأوا ذلك بحضرة الجمع اقتضى الرأي كتابة مراسلة أخرى من الباشا والمشايخ وفيها الملاطفة في الخطاب والاعتذار وأرسلوها وأخذوا في الاهتمام والتشهيل.
واستهل شهر ربيع الأول بيوم الأربعاء، وفي ثانيه، ركب الآغا وشق الأسواق وصار يقف على الوكائل والخانات ويفتش على الألضاشات، ودخل سوق خان الخليلي ونبه على أفرادهم وقال لهم: في غد أحضر في التبديل وكل من وجدته من غير ورقة جدك فعلت به وفعلت وقطعت أذنيه أو أنفه.
وفيه عزل أحمد أفندي الصفائي الروزنامجي من الروزنامة لمرضه، وتقلد أحمد أفندي المعروف بأبي كلية قلفة الأنبار روزنامجي عوضاً عنه.
وفي سادسه، أرسلوا بجوابات الرسالة الشيخ أحمد بن يونس وكتبوا لهم أيضاً سمهود وبرديس زيادة على ما بأيديهم من البلاد، والحال أن الجميع بأيديهم.
وفي يوم الثلاثاء، حضر عابدي باشا وإسمعيل بك الى بيت الشيخ البكري باستدعاء المولد النبوي، فلما استقر بهم الجلوس التفت الباشا الى جهة حارة النصارى وسأل عنها، فقيل له إنها بيوت النصارى، فأمر بهدمها وبالمناداة عليهم بالمنع من ركوب الحمير، فسعوا في المصالحة وتمت على خمسة وثلاثين ألف ريال، منها على الشوام سبعة عشر ألفاً وباقيها على الكتبة.
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الجمعة، فيه كتب الباشا فرماناً على موجب الفتوى ونزل به آغات مستحفظان ونادى به جهاراً، وكذلك التنبيه على جميع الوجاقلية باتباع أبوابهم وحضور الغائبين منهم والاستعداد للخروج.
وفي ثالثه أنفق إسمعيل بك على الأمراء الصناجق وأرسل لهم الترحيلة، فأرسل الى حسن بك الجداوي ثمانية عشر ألف ريال، فغضب عليها وردها ووبخ محمداً كتخدا البارودي وركب مغضباً وخرج الى نواحي العادلية، فركب إليه في صبحها إسمعيل بك وعلي بك الدفتردار وصالحاه وزاد له في الدراهم حتى رضي، وتكلم مع إسمعيل بك في تشديده على الرعية والألضاشات.
وفي يوم الخميس ثامنه، سافر إمام الباشا وعلي كاشف من طرف إسمعيل بك بجوابات للأمراء القبليين، حاصلها إما الرجوع الى أماكنهم على موجب الاتفاق والصلح، بشرط أن تدفعوا ميري البلاد التي تعديتم عليها، وإلا فنحن أيضاً تنقض الصلح بيننا وبينكم، ثم وصل الخبر بأن ابراهيم بك ارتحل من طحطا غرة الشهر وحضر الى المنية عند قسيمه مراد بك. وأن مراد بك فرق البلاد من بحري المنية على أتباعه وأتباع الأمراء الذين بصحبته، ثم وقع التراخي في أمر التجريدة وحصل التواني والإهمال والترك وخرجت الخيول الى المرعى.
وفي يوم الجمعة سادس عشره، نزل عابدي باشا الى بولاق وركب إليه إسمعيل بك وبقية الأمراء وأمامه مدافع الزنبلك على الجمال، فتفرج على الشركفلكات، وسيروا أمامه الثلاث غلايين الى مصر القديمة وضربوا مدافعها ثم عاد وطلع الى القلعة.
وفي يوم الثلاثاء، عزل أحمد أفندي أبو كلبة من الروزنامة وتقلدها عثمان أفندي العباسي على رشوة دفعها، وضاع على أحمد أفندي ما دفعه من الرشوة.
وفي يوم الأربعاء حادي عشرينه حضر إمام الباشا وعلي كاشف وأخبرا أن ابراهيم بك حضر عند مراد بك بالمنية، وأن جماعة من صناجقهم وأمرائهم وصلوا الى بني سويف وبحريها. وأنهم قالوا في الجواب إننا تركنا لهم الجهة البحرية وأخذنا الجهة القبلية، فإن قاتلونا عليها قاتلناهم وإن انكفوا عنا فلسنا واصلين إليهم ولا طالبين منهم مصر، ونعقد الصلح على ذلك. فيرسلوا لنا بعض المشايخ والاختيارية نتوافق معهم على أمر يحسن السكوت عليه، فعملوا ديواناً اجتمع به الجميع، وتحالفوا واتفقوا على إرسال جواب صحبة قاصد من طرف الباشا مضمونه: إنهم يرسلون من جهتهم أميرين كبيرين فيهما الكفاءة لفصل الخطاب ليحصل معهما التوافق ونرسل صحبتهما ما أشاروا به.
وفي يوم الاثنين، حضر واحد بشلي وعلى يده مكاتبات من حسن باشا خطاباً الى الباشا وإسمعيل بك وعلي بك وحسن بك ورضوان بك وإسمعيل كتخدا والشيخ البكري، وأخبر بوصول عسكر أرنؤد الى ثغر الإسكندرية، وعليهم كبير ومعه هدية الى الأمراء.
وفي يوم الخميس، طلع الأمراء الى الديوان وتكلموا من جهة النفقة، فقال قاسم بك: أما أنا فلا يكفيني خمسون ألف ريال، فقال له إسمعيل بك: فعلى هذا أمثالك، ويحتاج حسن بك ورضوان بك وعلي بك كل واحد مائة ألف، فلازم أننا نرسل الى السلطان يرسل لكم خزائنه حتى تكفيكم، فرد عليه علي بك وقال: إنا صرفت على التجريدة الأولى وشهلت أربع باشاوات والأمراء والأجناد وأنت في جملتهم، وما صادرت أحداً في نصف فضة، فاغتاظ إسمعيل بك وقال: اعمل كبير البلد وافعل مثل ما فعلت وأنا أعطيك المال الذي تحت يدي الذي جمعته من الناس، خذه واصرفه بمعرفتك، وقام من المجلس منتوراً فرده الباشا واختلى به وبعلي بك وحسن بك ورضوان بك ساعة زمانية وتشاوروا مع بعضهم ثم قاموا ونزلوا.
واستهل شهر جمادى الأولى بيوم السبت، فيه حضر ططري وبيده مرسومات، فاجتمعوا بالديوان وقرأوها، أحدها بطلب مشاق ويدك، والثاني بسبب الجماعة القبليين إن كانوا مقيمين بالأماكن التي عينها لهم حسن باشا فلا تتعرضوا لهم، وإن كانوا زحفوا وتعدو ونقضوا فاخرجوا إليهم وقاتلوهم، وإن احتجتم عساكر أرسلنا لكم، والثالث مقرر لعابدي باشا على السنة الجديدة، والرابع بالوصية على الفقراء وغلال الحرمين والأنبار والجامكية وأمثال ذلك من الكلام الفارغ.
وفيه ورد الخبر بموت محمد باشا يكن المنفصل من ولاية مصر.
وفي يوم الإثنين ثالثه، حضر المرسل من الجهة القبلية وصحبته صالح آغا الوالي بجوابات. حاصلها أنهم يطلبون من طحطا الى قبلي ويطلبون حريمهم وأن يردوا لهن ما أخذوه من بلادهن، وكذلك يطلبون أتباعهم ومماليكهم الذين أرسلوهم الى الإسكندرية، فإن أجيبوا الى ذلك لا يتعدون بعدها على شيء أصلاً، فلما قرئت المكاتبة بحضرة الجمع في الديوان، قال إسمعيل بك للباشا: لا يمكن ذلك ولا يتصور أبداً وإلا افعلوا ما بدا لكم ولا علاقة لي ولا أكتب فرماناً فإني أخاف على نفسي إن زدتهم على ما أعطاهم حسن باشا، ولابد من دفعهم الميري، ثم كتبوا لهم جواباً وسافر به صالح آغا المذكور، وآخر من طرف إسمعيل بك.
وفي يوم السبت ثامنه، وقع بين أهل بولاق وبين العسكر معركة بسبب إفسادهم وتعديهم وفسقهم مع النساء وأذية السوقة وأصحاب الحوانيت، وخطفهم الأشياء بدون ثمن، فاجتمع جمع من أهل بولاق وخرجوا الى خارج البلدة يريدون الذهاب الى اباشا يشكون ما نزل بهم من البلاء، فلما علم عسكر القليونجية ذلك اجتمعوا بأسلحتهم وحضروا إليهم وقاتلوهم وانهزم القليونجية، فنزل الآغا وتلافى الأمر وأخذ بخاطر العامة وسكن الفتنة، وخاطب العسكر ووبخهم على أفعالهم.
وفي يوم الإثنين سابع عشره، حضر صالح آغا بجواب، وأخبر بصلح الأمراء القبليين على أن يكون لهم من أسيوط وما فوقها، ويقوموا بدفع ميري البلد وغلالها ولا يتعدوا بعد ذلك، وأنهم يطلبون أناساً من كبار الوجاقات والعلماء ليقع الصلح بأيديهم، فعمل الباشا ديواناً وأحضر الأمراء والمشايخ واتفقوا على إرسال الشيخ محمد الأمير وإسمعيل أفندي الخلوتي وآخرين وسافروا في يوم الأربعاء تاسع عشره.
وفي خامس عشرينه، هبت رياح عاصفة جنوبية حارة واستمرت اثني عشر يوماً واستهل شهر جمادى الثانية بيوم الأحد، فيه ورد الخبر بأن جماعة من الأمراء القبليين حضروا الى بني سويف.
وفي ثالثه، وصل الخبر بأن مراد بك حضر أيضاً الى بني سويف في نحو الأربعين، فشرع المصريون في التشهيل والاهتمام، وأخرجوا خيامهم ووطاقهم الى ناحية البساتين، وفي يوم الخميس، طلع الأمراء الى الباشا وتكلموا معه وأخبروه بما ثبت عندهم من زحف الجماعة الى بحري، وطلبوه للنزول صحبتهم فقال لهم: حتى ترجع الرسل بالجواب أو نرسل لهم جواباً آخر وننظر جوابهم، فامتثلوا الى رأيه، فكتب مكتوباً مضمونه: إنكم طلبتم الصلح مراراً وأجبناكم بما طلبتم وأعطيناكم ما سألتم ثم بلغنا أنكم زحفتم ورجعتم الى بني سويف فما عرفنا أي شيء هذا الحال، والقصد أنكم تعرفونا عن قصدكم وكيفية حضوركم إن كنتم نقضتم الصلح وإلا لا فترجعوا الى ما حددناه لكم، وما وقع عليه الاتفاق، وأرسله صحبة مرسل من طرفه.
وفي يوم الجمعة سحبوا الشركفلكات من بولاق وذهبوا بها الى الوطاق، وشرع إسمعيل بك في عمل متاريس عند طراو المعصرة، وكذلك في بر الجيزة وجمع البنائين والفعلة والرجال وأمر بحفر خندق وبنى أبراجاً من حجر وحيطاناً لنصب المدافع والمتاريس في البرين.
وفي يوم الخميس ثاني عشره، حضر الشيخ محمد الأمير ومن بصحبته وأخبروا أنهم تركوا ابراهيم بك ومراد بك في بني سويف، وأربعة من الأمراء وهم سليمان بك الآغا وابراهيم بك الوالي وأيوب بك الصغير وعثمان الشرقاوي بزاوية المصلوب، وحاصل جوابهم إن يكن صلح فليكن كاملاً ودمنا في دمهم وعفا الله عما سلف، فإن لم يرضوا بذلك فليستعدوا للقاء وهذا آخر الجواب والسلام، وأرسلوا جوابات بمعنى ذلك الى المشايخ، وعلى أنهم يسعون في الصلح أو يخرجوا لهم على الخيل كما هي عادة المصريين في الحروب.
وفي هذه الأيام حصل وقف حال وضيق في المعايش وانقطاع للطرق وعدم أمن ووقوف العربان ومنع السبل وتعطيل أسباب وعسر في الأسفار براً وبحراً، فاقتضى رأي الشيخ العروسي أنه يجتمع مع المشايخ ويركبون الى الباشا ويتكلمون معه في شأن هذا الحال، فاستشعر إسمعيل بك بذلك فدبج أمراً وصور حضور ططري من الدولة، وعلى يده مرسوم، فأرسل الباشا في عصر يوم الجمعة للمشايخ والوجاقلية وجمعهم وقرأوا عليهم ذلك الفرمان ومضمونه الحث والأمر والتشديد على محاربة الأمراء القبالي وطردهم وإبعادهم، فلما فرغوا من ذلك تكلم الشيخ العروسي وقال: خبرونا عن حاصل هذا الكلام، فإننا لا نعرف بالتركي، فأخبروه فقال: ومن المانع لكم من الخروج وقد ضاق الحال بالناس ولا يقدر أحد من الناس أن يصل الى بحر النيل، وقربة الماء بخمسة عشر نصف فضة، وحضرة إسمعيل بك مشتغل ببناء حيطان ومتاريس، وهذه ليست طريقة المصريين في الحروب بل طريقتهم في المصادمة وانفصال الحرب في ساعة إما غالب أو مغلوب، وأما هذا الحال فإنه يستدعي طولاً، وذلك يقتضي الخراب والتعطيل ووقف الحال، فقال الباشا: أنا ما قلت لكم هذا الكلام أولاً وثانياً، هيا شهلوا أحوالكم ونبهوا على الخروج يوم الإثنين وأنا قبلكم.
وفي ليلة الإثنين، حضر شخصان من الططر ودخلا من باب النصر وأظهرا أنهما وصلا من الديار الرومية على طريق الشام وعلى يدهما مرسوما حاصلها الإخبار بحضور عساكر برية وعليهم باشا كبير، وذلك أيضاً لا أصل له، ونودي في ذلك اليوم بالخروج الى المتاريس، وكل من خرج يطلع أولاً الى القلعة ويأخذ نفقة من باب مستحفظان وقدرها خمسة عشر ريالاً، فطلع منهم حملة وأخذوا نفقاتهم وخرجوا الى المتاريس بالجيزة.
وفي يوم الأربعاء خامس عشرينه، وردت مكاتبات من الديار الحجازية وأخبروا فيها بوفاة الشريف سرور شريف مكة وولاية أخيه الشريف غالب.
وفي ليلة الأحد تاسع عشرينه، مات ابراهيم بك قشطة صهر إسمعيل بك مطعوناً،وفيه عزل اسماعيل بك المعلم يوسف كساب الجمركي بديوان بولاق ونفاه الى بلاد الإفرنج، وقيل إنه غرقه ببحر النيل وقلد مكانه مخاييل كحيل على عشرين ألف ريال دفعها،واستهل شهر رجب بيوم الثلاثاء.
وفي كل يوم ينادي المنادي بالخروج ويهدد من تخلف، واستمروا متترسين بالبرين وبعض الأمراء ناحية طرا وبعضهم بمصر القديمة في خلاعاتهم وبعضهم بالجيزة كذلك، الى أن ضاق الحال بالناس وتعطلت الأسفار وانقطع الجالب من قبلي وبحري، وأرسل إسمعيل بك الى عرب البحيرة والهنادي فحضروا بجمعهم وأخلاطهم وانتشروا في الجهة الغربية من رشيد الى الجيزة، ينهبون البلاد ويأكلون الزروعات ويضربون المراكب في البحر ويقتلون الناس، حتى قتلوا في يوم واحد من بلد النجيلة نيفاً وثلثمائة إنسان، وكذلك فعل عرب الشرق والجزيرة بالبر الشرقي وكذلك رسلان وباشا النجار بالمنوفية، فتعطل السير براً وبحراً ولو بالخفارة حتى أن الإنسان يخاف أن يذهب من المدينة الى بولاق أو خارج باب النصر، وفي يوم السبت خامسه نهب سوق انبابة، وفيه قتل حمزة كاشف المعروف بالدويدار رجلاً نصرانياً رومياً صائغاً اتهمه مع حريمه، فقبض عليه وعذبه أياماً وقلع عينيه وأسنانه وقطع أنفه وشفتيه وأطرافه حتى مات، بعد أن استأذن فيه حسن بك الجداوي، وعندما قبض عليه أرسل حسن بك ونهب باقي حانوته من جوهر ومصاغ الناس وغير ذلك، وطلق الزوجة بعد أن أراد قتلها فهربت عند الست نفيسة زوجة مراد بك.
وفي يوم الأحد، أخذ إسمعيل بك فرماناً من الباشا بفردة على البلاد لسليم بك أمير الحاج ليستعين بها على الحج وقرر على كل بلدة مائة ريالاً وجملاً.
وفي يوم الثلاثاء اجتمع الأمراء والوجاقلية والمشايخ بقصر العيني، فأظهر لهم إسمعيل بك الفرمان وعرفهم احتياج الحال لذلك فقام الاختيارية وأغلظوا عليه ومانعوا في ذلك.
وفي يوم الخميس سابع عشره وصل نحو الألف من عسكر الأرنؤد الى ساحل بولاق وعليهم كبير يسمى إسمعيل باشا، فخرج إسمعيل بك وحسن بك وعلي بك ورضوان بك لملاقته ومدوا له سماطاً عند مكان الحلي القديم.
وفي يوم الجمعة ثامن عشره أمطرت السماء من بعد الفجر الى العشاء وأطبق الغيم قبل الغروب وأرعد رعداً قوياً وأبرق برقاً ساطعاً ثم خرجت فرتونة نكباء شرقية شمالية واستمر البرق والمطر يتسلسل غالب الليل، وكان ذلك سابع عشر برموده وخامس عشر نيسان وخامس درجة من برج الثور فسبحان الفعال لما يريد.
وفي يوم الأحد عشرينه كان عيد النصارى وفيه تقررت الفردة المذكورة وسافر لقبضها سليم بك أمين الحج، ولم يفد من قيام الوجاقلية وسعيهم في إبطالها شيء، فإنهم لما عارضوا في ذلك فتح عليهم طلب المساعدة وليس بأيدي الملتزمين شيء يدفعونه، فقال: إذا كان كذلك فإننا نقبضها من ابلدا، فلم يسعهم إلا الإجابة.
وفي يوم الإثنين حضر الى ثغر بولاق آغا أسود وعلى يده مقرر لعابدي باشا وخلعة لشريف مكة، فطلع عابدي باشا الى القلعة وعمل ديواناً في يوم الثلاثاء واجتمع الأمراء والمشايخ والقاضي وقرأوا المقرر، ووصل صحبة الآغا المذكور ألف قرش رومي أرسلها حضرة السلطان تفرق على طلبة العلم بالأزهر، ويقرأون له صحيح البخاري ويدعون له بالنصر، وفي يوم الأربعاء قتل إسمعيل باشا كبير الأرنؤد رئيس عسكره وكان يخشاه ويخاف من سطوته، قيل إنه أراد أن يأخذ العسكر ويذهب بهم الى الأمراء القبليين رغبة في كثرة عطائهم فطالبه بنفقة وألح عليه وقال له إن لم تعطهم هربوا حيث شاؤوا، فحضر عنده وفاوضه في ذلك فلاطفه وأكرمه واختلى به واغتاله وقطع رأسه وألقاها من الشباك لجماعته.
وفي يوم الجمعة كتبوا قائمة أسماء المجاورين والطلبة وأخبروا الباشا أن الألف قرش لا تكفي طائفة من المجاورين فزادها ثلاثة آلاف قرش من عنده، فوزعوها بحسب الحال أعلى وأوسط وأدنى فخص الأعلى عشرون قرشاً والأوسط عشرة والأدنى أربعة، وكذلك طوائف الأروقة بحسب الكثرة والقلة، ثم أحضروا أجزاء البخاري وقرأوا، وصادف ذلك زيادة أمر الطاعون والكروب المختلفة.
وفي يوم الإثنين ثامن عشرينه توفي صاحبنا حسن أفندي قلفة الغربية وتقلد عوضه صهره مصطفى أفندي ميسو كاتب اليومية وفيه توفي أيضاً خليل أفندي البغدادي الشطرنجي.
واستهل شهر شعبان بيوم الأربعاء فيه عدى بعض الأمراء بخيامهم الى البر الغربي ثم رجعوا في ثانيه، ثم عدى البعض ورجع البعض، وكل ذلك إيهامات بالسفر وتمويهات من إسمعيل بك وفي الحقيقة قصده عدم الحركة، وضاقت أنفس المقيمين بالمتاريس وقلقوا من طول المدة وتفرق غالبهم ودخلوا المدينة.
وفي خامسه حضر الى مصر رجل هندي قيل إنه وزير سلطان الهند حيدر بك، وكان قد ذهب الى سلامبول بهدية الى السلطان عبد الحميد ومن جملتها منبر وقبلة مصنوعان من العود الفاقلي صنعة بديعة، وهما قطع مفصلات يجمعها شناكل وأغربة من فضة وذهب وسرير يسع ستة أنفار وطائران يتكلمان باللغة الهندية خلاف الببغا المشهور، وأنه طلب منه إمداداً يستعين به على حرب أعدائه الانكليز المجاورين لبلاده، فأعطاه مرسومات الى الجهات بالإذن لمن يسير معه فسار الى الإسكندرية ثم حضر الى حصر وسكن ببولاق، وهو رجل كالمقعد يجلس على كرسي من فضة ويحمل على الأعناق، وقد ماتت العساكر التي كانت معه ويريد اتخاذ غيرها من أي جنس كان، وكل من دخل فيهم برسم الخدمة وسموه بعلامة في جبهته لا تزول، فنفرت الناس من ذلك وملابسهم مثل ملابس الإفرنج وأكثرها من شيث هندي مقمطة على أجسامهم وعلى رأسهم شقات إفرنجية.
وفي ليلة الجمعة سابع عشره خرج الأمراء بعد الغروب وأشيع وصل القبليين وهجومهم على المتاريس.
وفي صبحها حصلت زعجة وضجة وهرب الناس من القرافتين ونودي بالخروج فلم يخرج أحد ثم برد هذا الأمر.
وفي تلك الليلة ضربوا أعناق خمسة أشخاص من أتباع الشرطة يقال لهم البصاصون، وسبب ذلك أنهم أخذوا عملة وأخفوها من حاكمهم واختصوا بها دونه ولم يشركوه معهم.
وفي سابع عشرينه مات محمد آغا مستحفظان المعروف بالمتيم.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشرينه كسفت الشمس وقت الضحوة الكبرى وكان المنكسف منها نحو الثلاثة أرباع وأظلم الجو إلا يسيراً ثم انجلى ذلك عند الزوال.
واستهل شهر رمضان بيوم الجمعة ووافق ذلك أول بؤنة القبطي.
وفي ثالثه قلدوا إسمعيل بك خازندار إسمعيل بك الذي كان زوجه بإحدى زوجات أحمد كتخدا المجنون أغات مستحفظان وقلدوا خازندار حسن بك الجداوي والياً عوضاً عن إسمعيل آغا الجزايرلي لعزله.
وفي ثاني عشره حضر ابراهيم كاشف من اسلامبول وكان إسمعيل بك أرسله بهدية الى الدولة فأوصلها ورجع الى مصر بجوابات القبول، وأنه لما وصل الى اسلامبول وجد حسن باشا نزل الى المراكب مسافراً الى بلاد الموسقو وبينه وبين اسلامبول نحو أربع ساعات، فذهب إليه وقابله ورجع معه في شكتربة الى اسلامبول وطلع الهدية بحضرته، وقد كان أشيع هناك بأن ابراهيم بك ومراد بك دخلا مصر وخرج من فيها وحصل هناك هرج عظيم بسبب ذلك، فلما وصل ابراهيم كاشف هذا بالهدية حصل عندهم اطمئنان وتحققوا منه عدم صحة ذلك الخبر، وفي رابع عشرينه نهب العرب قافلة التجار والحجاج الواصلة من السويس وفيها شيء كثير جداً من أموال التجار والحجاج، ونهب فيها للتجارب خاصة ستة آلاف جمل ما بين قماش وبهار وبن وأقمشة وبضائع، وذلك خلاف أمتعة الحجاج، وسلبوهم حتى ملابس أبدانهم، وأسروا النساء وأخذوا ما عليهن ثم باعوهن لأصحابهن عرايا، وحصل لكثير من الناس وغالب التجار الضرر الزائد، ومنهم من كان جميع ماله بهذه القافلة، فذهب جميعه ورجع عرياناً أو قتل وترك مرمياً.
وفي خامس عشرينه، وقع بين طائفة المغاربة الحجاج النازلين بشاطئ النيل ببولاق وبين عسكر القليونجية مقاتلة، وسبب ذلك أن المغاربة نظروا بالقرب منهم جماعة من القليونجية المتقيدين بقليون إسمعيل بك ومعهم نساء يتعاطون المنكرات الشرعية، فكلمهم المغاربة ونهوهم عن فعل القبيح وخصوصاً في مثل هذا الشهر أو أنهم يتباعدون عنهم، فضربوا عليهم طبنجات، فثار عليهم المغاربة، فهرب القليونجية الى مراكبهم، فنط المغاربة خلفهم واشتبكوا معهم ومسكوا من مسكوه وذبحوا من ذبحوه ورموه الى البحر، وقطعوا حبال المراكب ورموا صواريها، وحصلت زعجة في بولاق تلك الليلة، وأغلقوا الدكاكين وقتل من القليونجية نحو العشرين ومن المغاربة دون ذلك، فلما بلغ إسمعيل بك ذلك اغتاظ وأرسل الى المغاربة يأمرهم بالانتقال من مكانهم فانتقلوا الى القاهرة، وسكنوا بالخانات، فلما كان ثاني يوم نزل الآغا والوالي وناديا في الأسواق على المغاربة الحجاج بالخروج من المدينة الى ناحية العادلية ولا يقيموا بالبلد، وكل من آواهم يستأهل ما يجري عليه، فامتنعوا من الخروج وقالوا كيف نخرج الى العادلية ونموت فيها عطشاً، وذهب منهم طائفة الى إسمعيل كتخدا حسن باشا فأرسل الى إسمعيل بك بالروضة يترجى عنده فيهم فامتنع ولم يقبل الشفاعة، وحلف أن كل من مكث منهم بعد ثلاثة أيام قتله، فتجمعوا أحزاباً واشتروا أسلحة وذهب منهم طائفة الى الشيخ العروسي والشيخ محمد بن الجوهري فتكلموا مع إسمعيل بك فنادى عليهم بالأمان.
وفي أواخره ورد خبر من دمياط بأن النصارى أخذوا من على ثغر دمياط اثني عشر مركباً، واستهل شهر شوال بيوم السبت في رابعه حضر سليم بك من سرحته وفي خامسه أرسل الآغا بعض أتباعه بطلب شخصين من عسكر القليونجية من ناحية بين السورين بسبب شكوى رفعت إليه فيهما فضرب أحدهما أحد المعينين فقتله فقبضوا عليه ورموا عنقه أيضاً بجانبه، وفيه حضر طائفة العربان الذين نهبوا القافلة الى مصر وهم من العيايدة وقابلوا إسمعيل بك وصالحوه على مال وكذلك الباشا، واتفقوا على شيل ذخيرة أمير الحاج وخلع عليهم، ولما نهبت القافلة اجتمع الأكابر والتجار وذهبوا الى إسمعيل بك وشكوا إليه ما نزل بهم، فوبخهم وأظهر الشماتة فيهم، وصارت يده ترتعش من الغيظ وخرجوا من بين يديه آيسين والحاضرون يلطفون له القول ويأخذون بخاطره وهو لا ينجلي عنه الغيظ.
وفي يوم السبت ثامنه نزلوا بكسوة الكعبة من القلعة الى المشهد الحسيني على العادة، وفي ليلة الثلاثاء حادي عشره في ثالث ساعة من الليل، حصلت زعجة عظيمة وركب جميع الأمراء وخرجوا الى المتاريس، وأشيع أن الأمراء القبليين عدوا الى جهة الشرق، وركب الوالي والآغا وساروا يفتحون الدروب بالعتالات ويخرجون الأجناد من بيوتهم الى العرضي، وباتوا بقية الليل في كركبة عظيمة وأصبح الناس هايجين والمناداة متتابعة على الناس والألضاشات والأجناد والعسكر بالخروج، وظن الناس هجوم القبليين ودخولهم المدينة، فلما كان أواخر النهار حصلت سكتة وأصبحت القضية باردة وظهر أن بعضهم عدى الى الشرق وقصدوا الهجوم على المتاريس غفلة من الليل، فسبق العين بالخبر، فوقع ما ذكر، فلما حصل ذلك رجعوا الى بياضة وشرعوا في بناء المتاريس، ثم تركوا ذلك وترفعوا الى فوق ولم يزل المصريون مقيمين بطرا ما عدا إسمعيل بك فإنه رجع بعد يومين لأجل تشهيل الحاج.
ثم استهل شهر القعدة بيوم الإثنين، في ذلك اليوم رسموا بنفي سليمان بك الشابوري الى المنصورة وتقاسموا بلاده.
وفيه رجع الأمراء من المتاريس الى مصر القديمة كما كانوا ولم يبق بها إلا المرابطون قبل ذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثار جماعة الشوام وبعض المغاربة بالأزهر على الشيخ العروسي بسبب الجراية، وقفلوا في وجهه باب الجامع وهو خارج يريد الذهاب بعد كلام وصياح، ومنعوه من الخروج فرجع الى رواق المغاربة وجلس به الى الغروب ثم تخلص منهم وركب الى بيته، ولم يفتحوا الجامع، وأصبحوا فخرجوا الى السوق وأمروا الناس بغلق الدكاكين، وذهب الشيخ الى إسمعيل بك وتكلم معه فقال له: أنت الذي تأمرهم بذلك وتريدون تحريك الفتن علينا ومنكم أناس يذهبون الى أخصامنا ويعودون، فتبرأ من ذلك، فلم يقبل، وذهب أيضاً وصحبته بعض المتعممين الى الباشا بحضرة إسمعيل بك، فقال الباشا مثل ذلك وطلب الذين يثيرون الفتن من المجاورين ليؤدبهم وينفيهم، فمانعوا في ذلك، ثم ذهبوا الى علي بك الدفتردار وهو الناظر على الجامع فتلا في القضية وصالح إسمعيل بك وأجروا لهم الأخبار بعد مشقة وكلام من جنس ما تقدم، وامتنع الشيخ العروسي من دخول الجامع أياماً وقرأ درسه بالصالحية.
وفي يوم الأحد رابع عشره الموافق لثالث عشر مسرى القبطي، أوفى النيل أذرعه وركب الباشا في صبحها وكسر سد الخليج.
وفي عشرينه انفتح سد ترعة مويس فأحضر إسمعيل بك عمر كاشف الشعراوي وهو الذي كان تكفل بها لأنه كاشف الشرقية، ولامه ونسبه للتقصير في تمكينها، وألزمه بسدها فاعتذر بعدم الإمكان وخصوصاً وقد عزل من المنصب، وأعوانه صاروا مع الكاشف الجديد، فاغتاظ منه وأمر بقتله فاستجار برضوان كتخدا مستحفظان فشفع فيه وأخذه عنده وسعى في جريمته وصالح عليه.
شهر الحجة، في غرته، حضر قليونان روميان الى بحر النيل ببولاق، يشتمل أحدهما على أحد وعشرين مدفعاً والثاني أقل منه اشتراهما اسعيل بك.
وفيه زاد سعر الغلة ضعف الثمن بسبب انقطاع الجالب.
وفي رابع عشره، عمل الباشا ديواناً بقصر العيني وتشاوروا في خروج تجريدة وشاع الخبر بزحف القبليين.
وفي يوم الأربعاء سادس عشره عمل الباشا ديواناً بقصر العيني جمع به سائر الأمراء والوجاقلية والمشايخ بسبب شخص الجي حضر بمكاتبات من قرال الموسقو ولحضوره نبأ ينبغي ذكره كما نقل إلينا، وهو أن قرال الموسقو لما بلغه حركة العثمنلي في ابتداء الأمر على مصر، أرسل مكاتبة الى أمراء مصر على يد القنصل المقيم بثغر إسكندرية يحذرهم من ذلك ويحضهم على تحصين الثغر، ومنع حسن باشا من العبور، فحضر القنصل الى مصر واختلى بهم وأطلعهم على ذلك، فأهملوه ولم يلتفتوا إليه ورجع من غير رد جواب، وورد حسن باشا فعند ذلك انتبهوا وطلبوا القنصل فلم يجدوه وجرى ما جرى، وخرجوا الى قبلي وكاتبوا القنصل فأعاد الرسالة الى قراله وركب هجاناً واجتمع بهم، ورجع وصادف وقوع الواقعة بالمنشية في السنة الماضية، وكانت الهزيمة على المصريين، وشاع الخبر في الجهات بعودهم وقد كان أرسل لنجدتهم عسكراً من قبله ومراكب ومكاتبات صحبة هذا الالجي فحضر الى ثغر دمياط في أواخر رمضان فرأى انعكاس الأمر، فعربد بالثغر وأخذ عدة نقاير كما ذكر ورجع الى مرساه أقام بها، وكاتب قراله وعرفه صورة الحال وأن من بمصر الآن من جنسهم أيضاً، وأن العثمنلي لم يزل مقهوراً معهم فأجمع رأيه على مكاتبة المستقرين وإمدادهم، فكتب إليهم وأرسلها صحبة هذا الالجي وحضر الى دمياط وأنفذ الخبر سراً بوصوله، وطلب الحضور بنفسه، فأعلموا الباشا بذلك سراً وأرسلوا إليه بالحضور، فلما وصل الى شلقان خرج إليه إسمعيل بك في تطريدة كان لم يشعر به أحد وأعد له منزلاً ببولاق وحضر به ليلاً وأنزله بذلك القنان، ثم اجتمع به صحبة علي بك وحسن بك ورضوان بك وقرأوا المكاتبات بينهم فوصل إليهم عند ذلك جماعة من أتباع الباشا وطلبوا ذلك الالجي عند الباشا وذلك بإشارة خفية بينهم وبين الباشا، فركبوا معه الى قصر العيني وأرسل الباشا في تلك الليلة التنابيه لحضور الديوان في صبحها، فلما تكاملوا أخرج الباشا تلك المراسلات وقرئت في المجلس والترجمان يفسرها بالعربي. وملخصها خطاب الى الأمراء المصرية أنه بلغنا صنع بن عثمان الخائن الغدار معكم ووقوع الفتن فيكم وقصده أن بعضكم يقتل بعضاً ثم لا يبقى على من يبقى منكم ويملك بلادكم ويفعل بها عوائله من الظلم والجور والخراب، فإنه لا يضع قدمه في قطر إلا ويعمه الدمار الخراب، فتيقظوا لأنفسكم واطردوا من حل ببلادكم من العثمانية وارفعوا بنديرتنا واختاروا لكم رؤساء منكم. وحصنوا ثغوركم وامنعوا من يصل إليكم منهم إلا من كان بسبب التجارة، ولا تخشوه في شيء فنحن نكفيكم مؤنته، وانصبوا من طرفكم حكاماً بالبلاد الشامية كما كانت في السابق ويكون لنا أمر بلاد الساحل والواصل لكم كذا وكذا مركباً، وبها كذا من العسكر والمقاتلين، وعندنا من المال والرجال ما تطلبون وزيادة على ما تظنون، فلما قرئ ذلك اتفقوا على إرسالها الى الدولة، فأرسلت في ذلك اليوم صحبة مكاتبة من الباشا والأمراء، وأنزلوا ذلك الالجي في مكان بالقلعة مكرماً.
وفي يوم الإثنين وجهوا خمسة من المراكب الرومية الى جهة قبلي وأبقوا إثنين وأرسلوا بها عثمان بك طبل الاسماعيلي وعساكر رومية والله أعلم.
وانقضت هذه السنة.